خليل الصفدي

180

أعيان العصر وأعوان النصر

حدود اللّه تعالى فما يهابون ، ولا يهانون ولا يراعون ، وكفى بالعلماء فخرا أنهم للأمة أئمة الاقتداء ، وأن مدادهم جعله اللّه بإزاء دم الشهداء . وقد خلت في هذه الأيام المدرسة القايمازية - أثاب اللّه واقفها - ممن ينشر فيها أعلام العلم ، ويبدي في مباحثه مع خصومه معنى الحرب في صورة السلم ، وينبت في رياض دروسها دقائق النعمان ، ويثبت في حياض غروسها دقائق النعمان . تعين أن يقع الاختيار على من يحيي بدروسه ما درس من مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان رضي اللّه عنه ، ويجدد بفضائله التي أتقن فنونها ما رث من أقواله التي لا توجد إلا فيه ، ولا وكن المجلس العالي القضائي العمادي أبو الحسن علي الطرسوسي ، أدام اللّه أيامه ، وأعز بالطاعة أحكامه ، هو الذي تفرّد بهذه المزايا ، وجمع هذه الخلال الحميدة والسجايا ، تضع الملائكة له إذا خطا في العلم الأجنحة ، ويتخذ الناس إذا اضطروا لدفع الأذى عنهم من صلاح الأسلحة ، قد أراد اللّه به خيرا لما وفّقه وفقّهه في الدين ، وأقامه حجة قاطعة ، ولكن في أعناق الملحدين ، تنقاد المشكلات لذهنه الوقّاد في أسلس قياد ، وتشيّد أفكاره الدقيقة للنعمان إمامة ما لا شادته من المجد للنعمان أشعار زياد ، وتبيت النجوم الزهر ناظرة إلى محاسن مباحثه من طرفها الخفي ، وتنكف الألسنة الحداد من خصومه إذا جادلهم وتنكفي ، ويأتي بالأدلة التي هي جبال لا تنسفها مغالط النسفي . فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري - أعلاه اللّه تعالى - أن يفوّض إليه تدريس المدرسة المذكورة ، فليظهر عرائس فضله المجلوّة ، ويبرز نفائس نقله المخبوّة ، وليطرز دروسه بدقائقه التي بهرت ، ويزد المباحث رونقا بعبارته التي سحرت الألباب وما شعرت ، إذ هو الحاكم الذي سيف قلمه إذا أمضاه كان في الدماء محكما ، والحبر الذي لا يقاس به البحر ، وإن كان القياس في مذهبه مقدما ، والعالم الذي إذا نهض بالإملاء فهو به مليّ ، والفاضل الذي إن كان العلم مدينة فبابها عليّ . وليتعهد المشتغلين بالمدرسة بمطالبة محفوظهم ، والحث والحض على الأخذ بزيادة العلم ؛ فإن ذلك أسعد حظوظهم ، والحفظ والجدل جناحا العلم ويداه ، وبهما يتسلط الطالب على مقاربة المدى ، وإن كان العلم لا نهاية لمداه ، فمن استحقّ رقيا على غيره فليرقه وليوفه حقه ، فإنه إذا نظر الحاكم في أمره وصل إلى حقه . والتقوى هي ملاك الأمور وقوامها ، وصلاح الأحوال ونظامها ، على أنه - أدام اللّه أيامه - هو الذي يشرع الوصايا لأربابها ، ويعلم المتأدب كيف يأتي البيوت من أبوابها ، وإنما أخذ القلم على العادة نصيبه ، وأتى بنكت ومن علم العوان الخمرة كانت منه عجيبة . واللّه يوفّق أحكامه السديدة ، ويمتع الأيام بمحاسنه ، فإنها في الناس باب القصد وبيت